الدابة إنسان

الدابة إنسان:

ذكر المفسرون القول بأن الدابة إنسان، إلا أنهم استبعدوه، فرأوا أنه قول باطل، ومخالف للحق من الذي يرون (من وجهة نظرهم) أنهم عليه، رغم تفرقهم فيه إلى أقوال متضاربة غاية في النكارة، فلم يجمعوا على قول واحد، كما أسلفنا الذكر مختصراً. فقال الألوسي في (روح المعاني): “والمشهور – وهو الحق – أنها دابة ليست من نوع الإنسان، “.[1]  ا. هـ. وقال القنوجي في (فتح البيان): “وقيل: هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع الكفار، وفيه بعد”.[2] ا. هـ

وإن كنت أرجح أن الدابة إنساناً؛ إلا أن هذا عن تأويل لنص الآية، واستنباط منها ومن الروايات الصحيحة. فلا أستند إلى أدلة من قالوا أن الدابة إنسان؛ لأنها مرويات لا تخلوا من التشويه، ولا تسلم من اختلاط الحق فيها بالباطل، ومجرد خزعبلات وخرافات، لا تصح عقلاً ولا نقلاً، فليست دليلاً معتبراً، ولا تنهض بها حجة. فكانت أدلتهم الباطلة من أسباب إقصاء القول بأنها إنساناً، فاستبعد المفسرون هذا القول، خاصة وأن المرويات يشوبها التشيع، وغلو ظاهر في علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقالوا بأنه الدابة، لاعتقادهم الباطل بالرجعة، أي رجوعه آخر الزمان، فتبنوا دلالة كلمة دابة على الإنسان، لموافقتها معتقدهم الباطل، لترسيخ عقيدة الرجعة في عقول أتباع المذهب الشيعي.

فيستند الشيعة إلى ما أخرجه الحلي في (مختصر بصائر الدرجات): حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد، قال: حدثني الحسن السلمي، حدثنا أيوب ابن نوح، عن صفوان عن يعقوب يعني ابن شعيب عن عمران بن ميثم، عن عباية قال: أتى رجل أمير المؤمنين “ع”  فقال: حدثني عن الدابة فقال: وما تريد منها؟! قال: أحببت أن أعلم علمها. قال: “هي دابة مؤمنة، تقرأ القرآن وتؤمن بالرحمن، وتأكل الطعام، وتمشى في الأسواق”[3]. ا. هـ

وبنحوه أخرج أبي حاتم في تفسيره المسند: “حدثنا علي حدثنا علي بن الحسين، ثنا عقبة بن مكرم، ثنا يونس بن بكير، أنبأنا يحيى ابن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن أبي العزاء أن رجلا سأل عبد الله عن الدابة فقال له: سل عليا فإنه بذلك. فسأل عليا فقال: “تأكل الطعام، وتمشي في الأسواق، وتكلم الناس (أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ)”. [4] ا. هـ

وذكر الماوردي في (النكت والعيون): “ما حكاه محمد بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن الدابة فقال: “أما والله لها ذنب، وإن لها للحية”. وفي هذا القول إشارة إلى أنها من الإنس وإن لم يصرح”.[5] ا. هـ

قال السيوطي في (الدر المنثور): وأخرج ابن أبي حاتم عن النزال بن سبرة قال: قيل لعلي بن أبي طالب: إن ناسا يزعمون أنك دابة الأرض. فقال: “والله إن لدابة الأرض ريشا وزغبا، ومالي ريش ولا زغب، وإن لها لحافرا، ومالي من حافر، وانها لتخرج حضر الفرس الجواد ثلاثا وما خرج ثلثاها”.[6] ا. هـ

وإن كان متن هذه الروايات يتفق وما ذهبت إليه من أن الدابة إنسان، إلا أن المفسرون كذبوا المتن؛ ليس عن إثبات لمخالفته نص القرآن الكريم، وإنما لموافقته قول الشيعة الباطل بالرجعة، فردوا قول الشيعة بتبني القول أنها بهيمة، استناداً لأدلة لم يصح منها شيء بشهادة جمع من العلماء، كما سردته في موضعه، وإلا فالمتن موافق لظاهر دلالة النص القرآني، وإن كان لا يحتج بإسناده. فكان لا بد من البحث الشرعي المحايد والمجرد لكشف هذه الحقيقة المخفية، رغم أن هذا القول سيثير حنق الطائفتين، وهذا أمر متوقع لا مفر من مواجهته، خاصة وأن النزاع أقصاهما بعيداً، فحاد بهم عن الحق، انتصاراً للمذهب على حساب الانتصار النص القرآني المحكم.

وهذا ما ذهب إليه الألوسي في (روح المعاني) فقال: “واختلف فيها أيضا فقيل: هي من الإنس واستؤنس له بما روى محمد بن كعب القرظي قال سئل علي كرم الله وجهه عن الدابة فقال أما والله إنها ليست بدابة لها ذنب ولكن لها لحية. وفي الميزان للذهبي عن جابر الجعفي _ وهو كذاب _ قال أبو حنيفة: ما لقيت أكذب منه أنه كان يقول: هي من الإنس وأنها علي نفسه كرم الله تعالى وجهه؛ وعلى ذلك جمع من إخوانه الشيعة ولهم في ذلك روايات: منها ما رواه على بن إبراهيم في تفسيره عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل لعمار بن ياسر: يا أبا اليقظان آية في كتاب الله تعالى أفسدت قلبي، قال عمار: وأية آية هي؟! فقال: قوله تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ) الآية فأية دابة هذه؟ قال عمار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتى أريكها فجاء عمار مع الرجال إلى أمير المؤمنين علي كرم الله تعالى وجهه وهو يأكل تمرا وزبدا فقال: يا أبا اليقظان هلم فجلس عمار يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل: سبحان الله حلفت أنك لا تجلس ولا تأكل ولا تشرب حتى ترينيها قال عمار: قد أريتكها إن كنت تعقل، وروى العياشي هذه القصة بعينها عن أبي ذر أيضا وكل ما يروونه في ذلك كذب صريح، وفيه القول بالرجعة التي لا ينتهض لهم عليها دليل.

وفي بعض الآثار ما يعارض ما ذكر، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن النزال بن سبرة قال: قيل لعلي كرم الله تعالى وجهه: إن ناسا يزعمون أنك دابة الأرض، فقال: والله إن لدابة الأرض لريشا وزغبا ومالي ريش ولا زغب وأن لها لحافرا ومالي من حافر وأنها لتخرج من حفز الفرس الجواد ثلاثا وما خرج ثلثها. والمشهور – وهو الحق – أنها دابة ليست من نوع الإنسان، فقيل: هي الثعبان الذي كان في جوف الكعب واختطفته العقاب حين أرادت قريش بناء البيت الحرام فمنعهم وأن العقاب التي اختطفته ألقته بالحجون فالتقمته الأرض، وذكر ذلك الدميري عن ابن عباس، والأكثرون على أنها غيرها”.[7] ا. هـ

“وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تخرج دابة الأرض ولها ثلاث خرجات فأول خرجة منها بأرض البادية، والثانية في أعظم المساجد وأشرفها وأكرمها، ولها عنق مشرف، يراها من بالمشرق، كما يراها من بالمغرب، ولها وجه كوجه إنسان، ومنقار كمنقار الطير، ذات وير وزغب معها عصا موسى وخاتم سليمان بن داود، تنادى بأعلى صوتها؛ أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون). ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: يا رسول الله وما بعد؟ قال” (هنات وهنات، ثم خصب وريف حتى الساعة)”.[8] ا. هـ

قال الثعالبي في (الكشف والبيان): “وبه عن محمد بن جرير قال: حدثني أبو عبد الرحمن الرقي قال: حدثنا ابن أبي مزينة قال: حدثنا: ابن لهيعة ويحيى بن أيوب قالا: حدثنا ابن الهاد، عن عمرو بن الحكم أنه سمع عبد الله بن عمرو، قال: “تخرج الدابة من شعب فيمس رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمر بالإنسان يصلي، فتقول: (ما الصلاة من حاجتك)، فتخطمه. وقال وهب: وجهها وجه رجل [إنسان] وسائر خلقها كخلق الطير، فتخبر من رآها أن أهل مكة كانوا بمحمد والقرآن لا يوقنون، وفي هذا تصديق لفراءة من فتح (أَنَّ)”[9]. ا. هـ

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

* * *


[1] الألوسي/ [روح المعاني]. صفحة: (22/ 20).

[2] القنوجي/ (فتح البيان). صفحة: (71/ 10).

[3] الحسن بن سليمان الحلي/ (مختصر بصائر الدرجات). صفحة: (207).

[4] أخرجه:  أبي حاتم/ [تفسير القرآن العظيم مسندا]. صفحة: (2927).  رقم: (16609).

[5] الماوردي/ [النكت والعيون]. صفحة: (226/ 4). أخرجه:  أبي حاتم/ [تفسير القرآن العظيم مسندا]. صفحة: (2924).  رقم: (16596). حدثنا علي بن الحسين، ثنا عقبة بن مكرم، ثنا يونس بن بكير، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن علي أنه كان سئل، عن الدابة فقال: “مالها ذنب وإن لها لحية”.

[6] السيوطي/ [الدر المنثور]. صفحة: (409/ 11). أخرجه:  أبي حاتم/ [تفسير القرآن العظيم مسندا]. صفحة: (2924).  رقم: (1659). حدثنا علي بن الحسين، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو حفص الأبار، عن ليث، عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن سبرة قال: (…)

[7] الألوسي/ [روح المعاني]. صفحة: (22/ 20).

[8] السيوطي/ [الدر المنثور]. صفحة: (404/ 11).

[9] الثعالبي/ [الكشف والبيان]. صفحة: (225/ 7).

التفرق في دلالة كلمة (دَابَّةً)

التفرق في دلالة كلمة (دَابَّةً):

تحتمل كلمة (دَابَّةً) عدة معاني مختلفة، فلا يصح حصر دلالتها في إحداها بدون قرينة ترجح معنى على الآخر. فالأصل أن لفظ الدابة مشترك، يشمل ما يعقل وما لا يعقل، ولا يحتمل إحدى الدلالتين إلا في وجود قرينة تخص أحداهما دون الأخرى. والقول أنها بهيمة عجماء ينطقها الله آية منه، هو تأويل ظني غير قطعي الدلالة، في ظل روايات مردودة، لا في ضوء دليل ثابت.

على سبيل المثال قال القرطبي في (التذكرة): “.. ( أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ) أي دابة تعقل وتنطق، وذلك والله أعلم ليقع لهم العلم؛ بأنه آية من قبل الله تعالى ضرورة؛ فإن الدواب في العادة لا كلام لها ولا عقل”.[1] ا. هـ

فلم ينكر أن الدابة تعقل وتنطق، ولكن على الاستثناء كآية من الله تعالى، لقوله (تُكَلِّمُهُمْ)، فحمل القرينة على “الإعجاز”، لا على “التخصيص”، فبدلا من أن يخرج الدابة من عموم الدواب، إلى خصوص الإنسان، جاء قوله متأثراً بمضمون النصوص المنكرة والضعيفة. فالنص على ظاهره يدل أنها (دَابَّةً)، أي إنسان[2] (تُكَلِّمُهُمْ)، باعتبار الكلام صفة تخص البشر، مما يخرج دلالة اللفظ من عموم الدواب، المميزة وغير المميزة، العاقل وغير العاقل، إلى خصوصية البشر.

قال البعض أن كلمة (دَابَّةً) “اسم جنس”، منهم القنوجي في (فتح البيان) قال: “وفي التعبير عنها باسم الجنس وتأكيد إبهامه بالتنوين التفخيمي من الدلالة على غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى”.[3] ا. هـ وبحسب قوله فهي “اسم جنس”، مفرد لإضافة تاء التأنيث، وتعريفه: “هو ما دل على الجنس متضمنا معنى الجمع، وله مفرد يزيد عنه بتاء التأنيث أو ياء النسبة. كـ شجر وشجرة، وثمر وثمرة، وتمر وتمرة، ورمان ورمانة، وتفاح وتفاحة، وكـ عرب وعربي، وترك وتركي، ويهود ويهودي”.[4] ا. هـ وهذا لا يصح بحسب القاعدة، لأنه إن حذفت تاء التأنيث من (دَابَّةً)، كان جمعها (دابٌ)، وهذا لا يصح، لأن جمعها (دوابٌ)، كما تكرر في أربع مواضع من كتاب الله.[5] 

مما حدا البعض إلى القول بأن الدابة ليست كائناً واحداً، إنما سيخرج عددا منها، لتنتشر في الأرض. ورد هذا أبي حيان في (البحر المحيط) فقال: “والظاهر أن الدابة التي تخرج هي واحدة، وروي أنه يخرج في كل بلد دابة مما هو مثبوت نوعها في الأرض، وليست واحدة فيكون قوله (دَابَّةً) اسم جنس”.[6] ا. هـ

قال الألوسي في (روح المعاني): “وقد اختلفت الروايات فيها اختلافا كثيرا، فحكى أبو حيان في (البحر). والدميري في (حياة الحيوان) رواية أنه يخرج في كل بلد دابة مما هو مبثوث نوعها في الأرض فليست دابة واحدة، وعليه يراد بدابة الجنس الصادق بالمتعدد، وأكثر الروايات أنها دابة واحدة وهو الصحيح، فالتعبير عنها باسم الجنس وتأكيد إبهامه بالتنوين الدال على التفخيم من الدلالة على غرابة شأنها وخروج أوصافها عن طور البيان ما لا يخفى، وعلى كونها واحدة اختلف فيها أيضا ..”.[7] ا. هـ

على ما تقدم؛ أول المفسرون الآية لتتوافق دلالتها مع مضمون مرويات مردودة، رغم مخالفة تأويلاتهم لظاهر النص القرآني، وتعارضها معه، مما حصر أقوالهم في معنى البهيمة، فتفرقوا في تعيينها مذاهب غاية في التناقض والتباين، فلا تستحق حصر نصوصها، تجنباً لإهدار الوقت والإطالة، ولكن سأورد نعوتهم لها مختصرة من باب حصر ما قالوا، وليس عن إقرار بأي مما قيل.

فروي أنها (زغباء ذات ريش ووبر). وروي أنها (ذات وبر وريش، مؤلفة فيها من كل لون، لها أربع قوائم). وروي أنها (ذات وبر تناغي السماء). وروي أن (لها وجه إنسان، ومنقار كمنقار الطير، ذات وبر وزغب). وروي أنها (ملمعة ذات وبر وريش). وروي أنها (دابة ذات وبر وقوائم). وروي أن (فيها من كل لون، ما بين قرنيها فرسخ للراكب). وروي أنها (رأسها رأس ثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن إيل، وعنقها عنق نعامة، وصدرها صدر أسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هر، وذنبها ذنب كبش، وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعا.). وروي أنها (تخرج من شعب بالأجياد، رأسها يمس السحاب، وما خرجت رجلاها من الأرض). وروي أنها (تخرج من شعب بالأجياد، رأسها يمس السحاب، وما خرجت رجلاها من الأرض). وروي (مالها ذنب وإن لها للحية). وروي أن موسى عليه السلام سأل ربه أن يريه الدابة، فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء، لا يرى واحد من طرفيها. وروي أنها (دابة مزغبة شعراء، ذات قوائم، طولها ستون ذراعا). وفي كتاب النقاش عن ابن عباس رضي الله عنهما: إن الدابة الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب حين أرادت قريش بناء الكعبة. وقيل أنها فصيل ناقة صالح. وقيل أنها الجساسة التي مع الدجال.[8]

 

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

* * *


[1] القرطبي/ [كتاب التذكرة بأحوال الموتى]. صفحة: (1331).

[2] تعقيب: لا يقصد بكلمة إنسان أن الدابة رجل، بل يطلق على المذكر والمؤنث، يقول بن منظور “ويقال للمرأة أيضاً إنسان ولا يقال إنسانة”. ا. هـ [لسان العرب]. صفحة: (309/ 7). ولكن حرف التاء في قوله: (دَابَّةً)، وقوله: (تُكَلِّمُهُمْ)، يفيد التأنيث، أي أن الدابة إنسان؛ امرأة، وليست رجل.

[3] القنوجي/ [فتح البيان]. صفحة: (71/ 10).

[4] د. النادري؛ محمد أسعد/ [نحو اللغة العربية]. صفحة: (277).

[5] تعقيب: ورد لفظ (الدواب) بالجمع في موضعين من كتاب الله، مقترنا بصفة تخص العاقل، أي الإنس والجن،[5] وتمييزهم عن غيرهم من سائر الدواب، إحداهما في قوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) [الأنفال: 22]. فميزهم بالعقل من قوله: (يَعْقِلُونَ). والثانية في قوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) [الأنفال: 55]. فميزهم بالإيمان والكفر، من قوله: (الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).

وذكر لفظ الدواب في موضعين مقترنا بالناس، مما يخرج الناس في هذا الموضع من المعنى المراد بالدواب، الأول منهما في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) [الحج: 18]. وهنا خص الناس بالذكر وفصلهم عن الدواب فقال: (وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ),

وقوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) [فاطر: 28]. فخص الله تعالى (النَّاسِ) بالذكر، فأخرجهم بقوله (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء) من عموم (الدَّوَابِّ) ليميزهم عنهم بالعقل والعلم، ثم خص (الأَنْعَامِ) بالذكر ليخرجهم من عموم (الدَّوَابِّ) لحظوتها ونفعها عند الثقلين. فكما أن هؤلاء الأجناس تتباين ألوانهم وصفاتهم، فلا يستوي العاقل بالعجماوات، ولا تستوي (الأَنْعَامِ) المستأنسة، بغيرها من (الدَّوَابِّ) المستوحشة، فكذلك لا يستوي العالم بالجاهل، لأن العلم سبب تهذيب النفس، ومناط خشية الله تعالى. خص لفظ (النَّاسِ) في هذا الموضع المكلفين، فشمل الإنس والجن، والشاهد قول بن منظور: “الناسُ: قد يكون من الإِنس ومن الجِنِّ وأصله أناس فخفف ولم يجعلوا الأَلف واللام فيه عوضاً من الهمزة المحذوفة، لأَنه لو كان كذلك لما اجتمع مع المعوَّض منه في قول الشاعر:إِنَّ المَنايا يَطَّلِعْـ ـنَ على الأُناسِ الآمِنينا والنَّوْس: تَذَبْذُبُ الشيء. ناسَ الشيءُ يَنوسُ نَوْساً ونَوَساناً: تحرك وتَذَبْذَبَ متَدَلِّياً“. ا. هـ صفحة: (131/ 8). فالجن لا يدخلون في خصوصية لفظ (الدَّوَابِّ) هنا، فلا يستوي العاقل والمكلف بساقط التكليف من (الدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ).

قد يطلق لفظ الناس ويقصد به الإنس والجن، وقد يقترن بمخصص فيقتصر على الإنس فقط، مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) [الكهف: 54]. فالقرآن هنا مخاطب به الجان والإنسان، (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ) أي للجن والإنس، ولكن في قوله (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)، خص الإنسان دون الجن بأنهم أكثر جدلا. وكما في قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ) [الناس: 1؛ 3]، فالله هنا هو رب وملك وإله الناس، أي الإنس والجن، لكنه فصل بينهم بعد ذلك فقال: (مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ) [الناس: 6]. فلما خص (الْجِنَّةِ) بالذكر هنا، أخرجهم من بين (النَّاسِ)، لتقتصر دلالة اللفظ على الإنس فقط، وفي هذا التمييز بيانا لأوجه الاستعاذة بالله من شر الجن على وجه الخصوص، والناس على العموم.

“قال ابن جني: ويحكى أَن طائفة من الجن وافَوْا قوماً فاستأْذنوا عليهم فقال لهم الناس: من أَنتم؟ فقالوا: ناسٌ من الجنِّ، وذلك أَن المعهود في الكلام إِذا قيل للناس من أَنتم قالوا: ناس من بني فلان، فلما كثر ذلك استعملوه في الجن على المعهود من كلامهم مع الإِنس، والشيء يحمل على الشيء من وجه يجتمعان فيه وإِن تباينا من وجه آخر”. ا. هـ ابن منظور/ [لسان العرب]. صفحة: (310/ 7).

[6] أبي حيان الأندلسي/ [البحر المحيط]. صفحة: (91/ 7).

[7] الألوسي/ [روح المعاني]. صفحة: (22/ 20).

[8]راجع: السيوطي/ [الدر المنثور]. القرطبي/ [الجامع لأحكام القرآن]. القاضي بن عطية الأندلسي/ [المحرر الوجيز]. والكلام مبسوط في كثير من الكتب التفسير.

تضارب الروايات حول الدابة

تضارب الروايات حول الدابة:

أطلق الله تبارك على الدابة هذا الاسم، وعرفت به كأولى أشراط الساعة الكبرى، ولم يرد حديث أو أثر مقبول نقلاً أو عقلاً، يبين صراحة دلالة هذه التسمية، أو سببها، مما يلزمنا الأخذ بظاهر دلالة الآية. ورغم ذكرها صراحة في القرآن الكريم، إلا أن الروايات التي وصلتنا عنها خلت من سخاء المعلومات عنها، فجاءت النصوص غاية في الندرة، ويغلب على أكثرها ضعف الإسناد، واضطراب المتون ونكارتها. فصورتها الروايات كبهيمة، أو كائن أسطوري، ذو شكل خرافي، فخالفت الروايات ظاهر الآية التي تصفها بالكلام، كصفة بشرية. ومن ثم تضافرت التأويلات للتوفيق بين ظاهر الآية، وبين تضارب المرويات، فخرج المفسرون بالآية عن ظاهر دلالتها إلى القول؛ بأن الدابة بهيمة عجماء، ينطقها الله عز وجل آية منه للناس، رغم أنه لا يوجد ولو نص واحد على أقل تقدير، صحيح كان أو مكذوب، يثبت حدوث مثل هذه المعجزة، إنما قولهم هذا لا يربو عن كونه مجرد اجتهاد مردود بظاهر النص، متأثرين فيه بمرويات ضعيفة.

لا يفوتنا أن بعض المفسرين حينما أوردوا هذه النصوص، وسكتوا عن بيان حكمها، لم يكن هذا عن إقرار منهم بصحتها، أو تسليماً بمضمونها، وإنما إحصاءاً منهم للنصوص، وجمعاً للمتون، فلم يثبت أن أحداً منهم أقر بكل ما فيها، وهذا يعد منهم استنكاراً واضحاً لما حوته من خرافات وخزعبلات، فنفضوا أيديهم منها، تورعاً عن الخوض في آيات كتاب الله العزيز، وهذا لم يشفع لهم أن يتركوا استنباط الفوائد من الآية الكريمة، والخروج بالكثير من الدلالات الظاهرة، التي كان من الممكن الوصول إليها ببعض الجهد والمعاناة. وخلاصة القول أن هذه النصوص ليست حجة، ما لم يقم لمتنها شاهد يقويها.

قال المباركفوري في (تحفة الأحوذي): ” قال الجزري في (النهاية): “دابة الأرض قيل طولها ستون ذراعا ذات قوائم ووبر. وقيل هي مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات، ينصدع جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع، والناس سائرون إلى منى. وقيل من أرض الطائف. ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان عليهما السلام، لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب. تضرب المؤمن بالعصا، وتكتب في وجهه مؤمن ، وتطبع الكافر بالخاتم، وتكتب في وجهه كافر، انتهى. اعلم أن المفسرين قد ذكروا لدابة الأرض أوصافا كثيرة من غير ذكر ما يدل على ثبوتها، فكل ما ثبت بالكتاب أو السنة الصحيحة فهو المعتمد، وما لا فلا اعتماد عليه”.[1] ا. هـ

قال أبي حيان في (البحر المحيط): “واختلفوا في ماهيتها، وشكلها، ومحل خروجها، وعدد خروجها، ومقدار ما تخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذي تخرج به اختلافا مضطربا معارضا بعضه بعضا، ويكذب بعضه بعضا، فاطرحنا ذكره لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله“.[2] ا. هــ وعقب الألوسي على قوله هذا في (روح المعاني) فقال: “وهو كلام حق، وأنا إنما نقلت بعض ذلك دفعا لشهوة من يحب الاطلاع على شيء من أخبارها صدقا كان أو كذبا، وقد تصدى السفاريني في كتابه (البحور الزاخرة)[3] للجمع بين بعض هذه الأخبار المتعارضة ولا أظنه أتى بشيء”.[4] ا. هـ

قال الرازي في (مفاتيح الغيب): “(واعلم) أنه لا دلالة في الكتاب على شيء من هذه الأمور، فإن صح الخبر فيه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل، وإلا لم يلتفت إليه”.[5] ا. هـ

قال المراغي في تفسيره: “وما جاء في وصف الدابة والمبالغة في طولها وعرضها وزمان خروجها ومكانه مما لا يركن إليه، فإن أمو الغيب لا يجب التصديق بها إلا إذا ثبت بالدليل القاطع عن الرسول المعصوم”.[6] ا. هـ

قال ابن عاشور في (التحرير والتنوير): “وقد رويت في وصف هذه الدابة، ووقت خروجها، ومكانه، أخبار مضطربة ضعيفة الأسانيد، فانظرها في تفسير القرطبي وغيره، إذ لا طائل في جلبها ونقدها”.[7] ا. هـ

وبدون أدنى شك؛ فإن نفى بعضهم بشرية الدابة فهذا عن تغليب منهم للظن، لا عن حجة ودليل قطعي. فنجد على سبيل المثال لا الحصر؛ أن القرطبي يحتج بهذه النصوص رغم ضعف إسنادها، ونكارة متنها، وتضاربها، فيقول: “قلت: فهذه أقوال الصحابة والتابعين في خروج الدابة وصفتها، وهي ترد قول من قال من المفسرين: إن الدابة إنما هي إنسان متكلم يناظر أهل البدع والكفر”.[8] ا. هـ والصواب أنه لا يصح لروايات مطعون فيها سنداً ومتناً أن ترد ظاهر كتاب الله، وتحميل النص ما لا يحتمل مضمونه من دلالة، ما لم توجد قرينة تصرفه عن ظاهره. لا يشفع لهذه الروايات الباطلة كون رواتها من الصحابة والتابعين، لاحتمال التحريف والوضع والدس، والتقول عليهم بما لم يقولوه، فمضمونها المتعارض مع الآية يسقط حجيتها، ويبطل الاستشهاد بها.

ورغم هذا جاءت أقوال بعض المفسرين لكلمة (دَابَّةً) موافقة لمضمون تلك النصوص الباطلة، باعتبارها “اسم جنس”.[9] فأسقط احتمال كونها صفة لامرأة. ثم يغترف من أقوالهم بلا تمحيص، ويصب في عقول الناس، بلا حسيب ولا رقيب، حتى أمست الخرافات من المسلمات، التي ينافح عنها، وكأنها من الثوابت، لمجرد أن ذكرها المفسرون، والله يسمع ويرى، ويُنظِر خلقه إلى حين. فلم يتجشم أهل العلم مشقة البحث في معنى اللفظ، واحتمالات دلالته في الآية، أو دراسة المتون والربط بينها للخروج بثوابت حول الدابة، مما أوجد فراغا كبيرا وخللاً في المفاهيم حول أولى أشراط الساعة الكبرى، هذا إن لم تكن أهمها وأكبرها على الإطلاق، لحد أنها استأثرت بنص صريح في كتاب الله العزيز، دون غيرها من الأشراط.

الكاتب: بهاء الدين شلبي.

* * *


[1] المباركفوري/ [تحفة الأحوذي]. صفحة: (413، 414/ 6).

[2] أبي حيان/ [البحر المحيط]. صفحة: (91/ 7).

[3] السفاريني/ [البحور الزاخرة]. صفحة: (552/ 1).

[4] الألوسي/ [روح المعاني]. صفحة: (24/ 20).

[5] الرازي/ [مفاتيح الغيب]. صفحة: (218/ 24).

[6] المراغي/ [تفسير المراغي]. صفحة: (22/ 20).

[7] ابن عاشور/ [التحرير والتنوير]. صفحة: (39/ 20).

[8] القرطبي/ [الجماع لأحكام القرآن]. صفحة: (213/ 16).

[9] أبي حيان الأندلسي/ [البحر المحيط]. صفحة: (91/ 7).